الخطبة ٨٧: وهي في بيان صفات المتقين وصفات الفساق
المسار الصفحة الرئيسة » نهج البلاغة » الخطب » الخطبة ٨٧: وهي في بيان صفات المتقين وصفات الفساق

 البحث  الرقم: 88  المشاهدات: 7832
قائمة المحتويات ومن خطبة له عليه السلام وهي في بيان صفات المتقين وصفات الفساق والتنبيه إلى مكان العترة الطيبة والظن الخاطىء لبعض الناس
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ اللباس
. وتجلْبَبَ: لَبِسَ الجِلْباب وهو ما يكون فوق جميع الثياب، وقد سبق تفسيرها.">(1)، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى (2) فِي قَلْبِهِ، وَأَعَدَّ الْقِرَى الموت
وحلول الأجل.">(3) لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ، نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلاً (4)، وَسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً (5).
قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إِلاَّ هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى. قَدْ أبْصَرَ طَرِيقَهُ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ، وَعَرَفَ مَنَارَهُ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ (6)، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا، وَمِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ للهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ، مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ، وَتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلى أَصْلِهِ. مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ، كَشَّافُ عَشَوَاتٍ (7)، مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ، دَفَّاعُ مُعْضِلاَتٍ، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ الواسعة، مجاز عن مجالات العقول في الوصول إلى الحقائق.">(8)، يَقُولُ فَيُفْهِمُ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ. قَدْ أَخْلَصَ للهِ فَاسْتَخْلَصَهُ، فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ. قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لاَ يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلاَّ أَمَّهَا (9)، وَلاَ مَظِنَّةً ظنّ لوجود الفائدة.">(10) إِلاَّ قَصَدَهَا، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ (11)، فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ (12)، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ.

صفات الفساق


وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّلٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حبالِ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ (13) عَلى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فيَصُدَّ عَنْهُ، وَذلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءَ!

عترة النبي


(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)؟ و (أَنَّى تُؤْفَكُونَ) للمجهول.">(14)! وَالْأَعْلاَمُ (15) قَائِمَةٌ، وَالْأَيَاتُ وَاضِحَةٌ، وَالْمَنَارُ (16) مَنْصُوبَةٌ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ الضلال والحَيْرة.">(17)؟ وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ (18) وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ (19) نَبِيِّكُمْ؟ وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ، وَ أَعَلَامُ الدَيْنِ! وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ! فأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ القُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ (20). أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَ سَلَّمَ: «إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيِّت، وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَال»، فَلاَ تَقُولُوا بِمَا لاَتَعْرِفُونَ، فَإنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيَما تُنْكِرُونَ، وَاعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ ـ وَ أَنَا هُوَ ـ أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ النبىِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «تركتُ فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي» أي: النفيسين.">(21)! وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ! قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإَيمَانِ، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ (22) المَعْرُوفَ مِنْ قَوْلي وَفِعْلي، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلاَقِ مِنْ نَفْسِي؟ فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيَما لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَلاَ تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ.

الظنّ الخاطئ


ومنها: حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ (23)، تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا (24)، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَلاَ يُرْفَعُ عَنْ هذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَلاَ سَيْفُهَا، وَكَذَبَ الظَّانُّ لِذلِكَ. بَلْ هِيَ مَجَّةٌ (25) مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً!

الهوامش

1- استشعر: لبس الشعار وهو مايلي البدن من اللباس. وتجلْبَبَ: لَبِسَ الجِلْباب وهو ما يكون فوق جميع الثياب، وقد سبق تفسيرها.
2- زَهَرَ مصباحُ الهدى: تلالا وأضاءَ.
3- القِرَى ـ بالكسر ـ: ما يُهَيّأ للضيف، وهو هنا العمل الصالح يهيّئه للقاء الموت وحلول الأجل.
4- النّهَلُ: أول الشرب، والمراد: أخذ حظاً لا يحتاج معه إلى العمل، وهو الشرب الثاني.
5- الجَدد ـ بالتحريك ـ: الأرض الغليظة، أي: الصلبة المستوية، ومثلها يسهل السير فيه.
6- الغِمار: جمع غَمْر ـ بالفتح ـ وهو معظم البحر، والمراد أنه عبر بحار المهالك إلى سواحل النجاة.
7- عَشَوَات: جمع عشوة بالحركاتـ الثلاثـ وهي الأمر الملتبس.
8- الفَلَوَات: جمع فَلاة، وهي الصحراء الواسعة، مجاز عن مجالات العقول في الوصول إلى الحقائق.
9- أمّها: قَصَدَها.
10- (مظنّة): أي موضع ظنّ لوجود الفائدة.
11- (أمْكَنَهُ من زِمامِهِ): تمثيل لإنقياده إلى أحكامه، كأنه مطية والكتاب يقوده إلى حيث شاء.
12- ثَقَلُ المسافر ـ محرّكةً ـ: متاعه وحَشَمه؛ وثَقَلُ الكتاب: ما يحمل من أوامرَ ونَوَاه.
13- (عَطَفَ الحق) ّ: حمل الحقّ على رغباته، أي: لا يعرف حقّاً إلا إياها.
14- تُؤفَكُون: تُقْلبون وتُصرفون، بالبناء للمجهول.
15- الأعلام: الدلائل على الحق من معجزات ونحوها.
16- المنار: جمع منارة.
17- يُتاه بكم: من التّيه بمعنى الضلال والحَيْرة.
18- تَعْمَهون: تتحيّرون.
19- عِتْرَة الرّجلِ: نَسْلُه ورَهْطُه.
20- رِدُوهم وُرُودَ الهيمِ العِطاش: أي هَلُمّوا إلى بحار علومهم مسرعين كما تسرع الهيم ـ أي الإبل العطشى ـ إلى الماء.
21- الثّقَل ـ هنا ـ: بمعنى النفيس من كل شيء وفي الحديث عن النبىِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «تركتُ فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي» أي: النفيسين.
22- فرَشْتُكُمْ: بَسَطْتُ لكم.
23- مقصورة عليهم: مسخّرة لهم، كأنّهم شدّوها بعقال كالناقة.
24- (تمنحهم دَرّها): أي لبنها.
25- مَجّة ـ بفتح الميم ـ: مصدر مرة من «مجّ الشراب من فيه» إذا رَمَى بِهِ.



الفهرسة